قصة جريمة حقيقية في موريتانيا… كيف كشف وكيل النيابة القاتل بحيلة ذكية؟ الجزء الأول
![]() |
| قصة جريمة حقيقية في موريتانيا… كيف كشف وكيل النيابة القاتل بحيلة ذكية؟ الجزء الأول |
قصة جريمة حقيقية في موريتانيا… كيف كشف وكيل النيابة القاتل بحيلة ذكية؟ الجزء الأول
✨ وصف قصير:
بين ضفاف نهر العطف وأشجار الغابات الكثيفة، تختبئ أسرار قاتمة تقود إلى جريمة غامضة لن تُنسى بسهولة. تم تغيير أسماء الشخصيات الواردة في القصة حفاظًا على الخصوصية، مع بقاء الأحداث كما هي دون أي تعديل.
القصة هذه حصلت في موريتانيا، في مدينة اسمها العطف. وهذه المدينة حدودية ما بين موريتانيا وما بين السنغال. الذي يفصل بينهما نهر طويل جدًا يسمونه نهر السنغال. هذا النهر يفصل ما بين موريتانيا وما بين السنغال، والرعاة في الغالب يرعون على ضفاف هذا النهر، وأحيانًا ينتقلون إلى السنغال حسب وجود المراعي. وهذه المنطقة خضراء طويلة جدًا، كبيرة وشاسعة، مليئة بالغابات والأشجار والوديان، وما شابه ذلك.
المهم، في عام 2000 حصلت فيها جريمة. أحد الرعاة الذي كان معتادًا أن يرعى الأغنام على ضفاف النهر، بين الأحراش والأشجار الكثيفة، عثر على جثة رجل أسمر مخبأة بين الأشجار، وكأن شخصًا تعمّد إخفاءها، وكان واضحًا أن الدماء سالت منه. فقام بإبلاغ السلطات الأمنية. وهذه المناطق لا توجد فيها مراكز شرطة قريبة، فهي بعيدة جدًا. وعندما استدعوا رجال الأمن ووكيل النيابة، جاؤوا من العاصمة، ولم يصلوا إلا بعد عدة ساعات.
فاضطر أهل منطقة العطف إلى أن يبنوا له عريشًا أو مكانًا بسيطًا يتم تجهيزه ليكون مقرًا لإقامة وكيل النيابة وأفراد الشرطة، لأن الموضوع كان طويلًا ويحتاج إلى تحقيق وتحريات واستجواب، ولن ينتهي في يوم أو يومين أو ثلاثة. فكان لا بد أن يستضيفوه. وكان الذي استضافهم هو شيخ العشيرة في منطقة العطف. فبنوا له العريش واستقبلوه، وبدأ وكيل النيابة أولى خطوات التحقيق. في البداية أراد أن يعرف من صاحب الجثة. فاستدعى عدة أشخاص،
لأن المعلومة التي اكتشفها وكيل النيابة أن هذه المنطقة لا يصل إليها إلا الرعاة، لأن المدن والقرى بعيدة عنها. فبدأ يسأل أصحاب المواشي: من عندكم من الرعاة؟ فقالوا له: فلان وفلان، ومجموعة كبيرة. فاستدعاهم وجعلهم يشاهدون الجثة. فتعرّفوا عليه، وتبيّن أن هذا الشخص كان راعيًا لدى أحد الأشخاص المتنفذين الذي يملك عددًا كبيرًا جدًا من المواشي. وكان هذا الراعي واحدًا من ستة رعاة يعملون لديه. فالرجل يملك مواشي كثيرة جدًا،
ولذلك لا يستطيع راعٍ واحد أن يرعاها، فوضع ستة رعاة يقسمون الأغنام والمواشي بينهم، وكل واحد يأخذ جزءًا منها في جهة مختلفة؛ واحد يذهب شمالًا، وآخر جنوبًا، وآخر شرقًا، وآخر غربًا. المهم، أن هذا الشخص في ذلك اليوم كان من المفترض أن يرعى الأغنام، لكنه اختفى. وبعد مرور عدة ساعات عادت الأغنام إلى الحظيرة بدونه، ومعها الحمار الذي كان يرافقها، وكذلك الخروف الذي يسمونه “المرياع”، وهو الذي يقود الأغنام. فعادت الأغنام إلى الحظيرة بدون حضور الراعي.
فاعتقدوا أنه هو الذي تركها، أو أنه هرب، أو أنه تعمد أن يترك الأغنام. لكن بعد اكتشاف جثته بدأ التحقيق مع زملائه، لأنه كان واحدًا من ستة رعاة. فتم إحضارهم وبدأ السؤال: متى آخر مرة رأيتموه؟ فقالوا: نعم، رأيناه في اليوم الفلاني، وهو غائب عنا الآن منذ ثلاثة أو أربعة أيام تقريبًا. فقالوا إن هناك شخصًا مسؤولًا عن الرعاة، وهو الذي يشرف عليهم. وإذا تخلف أحدهم عن العمل بسبب مرض أو سفر أو أي مشكلة،
أو ترك العمل فجأة، فإن هذا الشخص الذي يسمونه “الأتِيتار” يتولى مكانه مؤقتًا أو يعمل مكانه حتى يأتوا براعي آخر. فسأل: أين هذا الأتِيتار؟ فأحضروه. وبدأ يستجوبه: متى آخر مرة رأيت هذا الشاب الضحية؟ فقال: نعم، صار له ثلاثة أو أربعة أيام لم أره. وكان من المفترض في ذلك اليوم أن يأخذ المواشي للرعي، لكنها عادت بدونه. وأضاف: نحن اعتقدنا أنه ترك العمل أو هرب، ولم نسأل عنه، لأنه هو الخاسر في النهاية، وهو الذي سيطلب منا راتبه.
ونحن في العادة لا نهتم كثيرًا إذا ترك أحد الرعاة العمل، لأن هناك كثيرين يتمنون أن يعملوا. فقال له وكيل النيابة: في البداية نريد أن نعرف، هل لهذا الشاب عداوات؟ هل لديه مشاكل؟ فقال: لا أبدًا. فسأله: ما نظام عمله؟ فقال: يأخذ هذه المواشي ويرعى بها، ويذهب جهة النهر، وأحيانًا يضطر إلى عبور النهر إلى الجهة الأخرى في السنغال بحثًا عن المراعي. وهو يعمل معنا منذ سنوات طويلة، ولم نرَ منه أي مشكلة.
ثم سأل الرعاة الآخرين، وكل واحد منهم أثبت مكان وجوده، ولم يشتبه وكيل النيابة في أحد منهم. فاستدعوا صاحب هذه المواشي كلها. فقال: أنا لا أعرف الرعاة أصلًا، وحتى الأتِيتار الذي عينته مشرفًا عليهم أنا لا أعرفه. ثم قال: أنا أساسًا غير مهتم بموضوع المواشي، لأن لدي شركات وأراضي وأعمال أخرى. وبالفعل كان رجلًا غنيًا جدًا، ولا ينزل بنفسه ليتابع الرعاة. فتم استبعاده من القضية.
كانوا في البداية يخشون أن يكون أحد الأثرياء قد عذّب هذا الراعي، كما حصل في قضايا سابقة، لكن تبيّن أنه لا علاقة له بالموضوع. وبعد مضي يومين أو ثلاثة من التحقيق احتار وكيل النيابة، فتواصل مع القيادة الرئيسية، فقالوا له: أغلق القضية ضد مجهول، لأنك لم تجد شيئًا. لكنه رفض، وقال: أنا ما زلت هنا وبعيد عن أهلي، وكان من المفترض أن أعود إلى العاصمة، لكن دعوني أستغل يومين أو ثلاثة أيام إضافية لأضغط أكثر في التحقيق.
فالضحية واضح أنه ضُرب بآلة حادة على رأسه، وأن شخصًا بعد أن قتله أخفى جثته بين الأشجار. فما الهدف؟ لا يبدو أن الدافع السرقة، لأن الراعي شاب فقير لا يملك شيئًا، كما أن الأغنام عندما عادت إلى الحظيرة كانت سليمة ولم ينقص منها شيء. فلو كانوا لصوص أغنام لقتلوا الراعي وأخذوا الأغنام، لكن هذا لم يحدث. فقال: ما الدافع؟ في القضايا الغامضة، أحيانًا ابحث عن المرأة. وليس المقصود أن كل امرأة سبب، لكن في النهاية الحياة رجل وامرأة.
فإذا لم تجد سببًا، فابحث إن كانت هناك امرأة في حياة الرجل. فسأل: هل هذا الشاب متزوج؟ قالوا: لا. قال: هل يحب فتاة؟ قالوا: لا نعلم إن كان يحب أم لا. فسأل عن المسافة بين مكان العثور على الجثة والمكان الذي ينام فيه الرعاة بعد انتهاء يوم العمل. فقالوا: تبعد حوالي سبعمائة متر تقريبًا. فذهب ليرى طبيعة المنطقة هناك، فوجد بئرًا. وكان من العادات هناك أن الرجال لا يذهبون إلى البئر، بل النساء فقط هن اللواتي يجلبن الماء. فكل عائلة لديها بنات يذهبن إلى البئر لجلب الماء، وهذا اتفاق بينهم جميعًا.
فذهب إلى البئر، فوجد مجموعة من الفتيات هناك. في اليوم الأول لاحظ وجودهن، وفي اليوم الثاني ذهب مرة أخرى فوجد نفس الفتيات. وعندما سأل قيل له إن هذا المكان هو بمثابة مجلس النساء، حيث تجتمع الفتيات ويتبادلن الحديث، ثم تأخذ كل واحدة الماء الذي تحتاجه وتعود إلى بيتها. فلاحظ أن بعض الفتيات كن جميلات ومتزينات. فبدأ يسأل واحدة تلو الأخرى عن الراعي المتوفى. الأولى قالت إنها لا تعرفه، والثانية كذلك، حتى الرابعة، حتى وصلت إلى فتاة قالت: نعم، أعرفه، وكان يأتي إلى البئر دائمًا... لمتابعة قراءة الجزء الثاني والأخير إضغط هنا.
