حكاية سائق توصيل رأى الحقيقة خلف الابتسامات لم يكن يعرف أنه سيتغير - الجزء الثاني

حكاية سائق توصيل رأى الحقيقة خلف الابتسامات لم يكن يعرف أنه سيتغير - الجزء الثاني

لم يعد الطريق مجرد وسيلة لكسب المال، بل أصبح اختبارًا قاسيًا يغيّر سامر من الداخل. في هذه الحكاية الإنسانية المشوقة، تقوده الحوادث والوجوه المنكسرة إلى اكتشاف عالم مليء بالأسرار والألم، حيث تخفي كل ابتسامة حكاية لا يراها أحد.

حكاية سائق توصيل رأى الحقيقة خلف الابتسامات لم يكن يعرف أنه سيتغير - الجزء الثاني


تكملة الجزء الأول لم تكن المدينة رحيمة بأحد. هذا ما بدأ سامر يفهمه جيدًا بعد أشهر من العمل في التوصيل. الشوارع التي بدت له في البداية مجرد طرق طويلة أصبحت الآن كائنًا حيًا متقلب المزاج؛ تمنحك رزقك صباحًا، ثم تسحقك مساءً دون إنذار.

ومع ذلك، استمر. كل يوم كان يخرج قبل الظهر، يربط الحقيبة الحمراء بإحكام خلف ظهره، ويتحرك بين السيارات كأن حياته كلها معلقة بسرعة وصول الطلب التالي. لكن التعب بدأ يتسلل إليه. ليس تعب الجسد فقط… بل تعب الروح.

في تلك الفترة، بدأت حالة والده الصحية تتدهور بسرعة. أصبح السعال أشد، والتنفس أثقل، والأدوية أكثر كلفة. وفي كل مرة كان سامر يعود فيها إلى المنزل، يجد والده يحاول إخفاء ألمه بابتسامة هادئة تزيد شعوره بالعجز.

في إحدى الليالي، جلس معه في المستشفى بانتظار نتائج الفحوصات. كان الممر باردًا ورائحته مليئة بالمطهرات والقلق. خرج الطبيب أخيرًا، يحمل ملفًا سميكًا. قال بنبرة مهنية: يحتاج إلى عملية خلال الأشهر القادمة… التأخير ليس جيدًا.

شعر سامر بأن الكلمات تهبط فوق صدره كالحجارة. سأل بصوت متوتر: وكم التكلفة؟ ذكر الطبيب الرقم بهدوء. رقم أكبر بكثير مما يملكه. خرج سامر من المستشفى وهو يشعر أن المدينة كلها تضيق حوله. وقف في موقف السيارات للحظات طويلة، ثم أخرج هاتفه وفتح تطبيق التوصيل.

طلب جديد. أغلق عينيه للحظة… ثم قبله. بدأ يعمل لساعات أطول. نهارًا وليلاً. أحيانًا ينسى تناول الطعام، وأحيانًا ينام فوق الكرسي من شدة الإرهاق. صار يعرف الشوارع أكثر من منزله، ويحفظ أصوات المطاعم والعملاء حتى دون النظر إلى الأسماء.

لكن كلما حاول التقدم خطوة، ظهرت الحياة لتدفعه خطوتين إلى الخلف. في مساء عاصف، كانت السماء تمطر بعنف غير معتاد. المياه تغطي الشوارع، والرؤية تكاد تنعدم. مع ذلك، استمرت الطلبات بالتدفق. وقف بعض السائقين تحت الجسور ينتظرون هدوء المطر، لكن سامر لم يستطع التوقف.

كان يفكر فقط في المال الذي يحتاجه. انطلق وسط العاصفة. الرياح تضرب وجهه بقوة، والماء يتطاير تحت عجلات الدراجة. بالكاد كان يرى الطريق أمامه. ثم حدث كل شيء خلال ثانية واحدة. سيارة انعطفت فجأة.

صرير حاد. اصطدام. شعر سامر بجسده يُقذف جانبًا قبل أن يرتطم بالأرض بعنف. توقف العالم للحظة. لم يسمع سوى صوت المطر. ظل مستلقيًا لعدة ثوانٍ يحاول استيعاب ما حدث. ركبتاه تؤلمانِه، وذراعه تنزف بخفة، أما الدراجة فكانت ممددة على جانب الطريق، أحد مراياها محطم.

ركض نحوه سائق السيارة مذعورًا. هل أنت بخير؟ أومأ سامر بصعوبة. لكنه لم يكن بخير. ليس لأن الحادث خطير… بل لأنه يعرف جيدًا ما يعنيه إصلاح الدراجة. مصاريف جديدة. تأخير جديد. ضغط جديد.

عاد إلى المنزل تلك الليلة وهو يعرج قليلًا، محاولًا إخفاء إصاباته عن والده. لكن الرجل العجوز لاحظ فورًا. ماذا حدث؟ ابتسم سامر بتعب. مجرد انزلاق بسيط. نظر إليه والده طويلًا، ثم قال بهدوء: لا تدع الحياة تحولك إلى شخص يركض حتى وهو ينزف.

خفض سامر عينيه دون رد. بعد الحادث بأيام قليلة، جاءت الضربة التالية. تلقى اتصالًا غاضبًا من إدارة التطبيق. أحد الزبائن اتهمه بسرقة جزء من الطلب. حاول الشرح، لكن الموظف قاطعه ببرود: سيتم خصم المبلغ من حسابك حتى يتم التحقيق.

أغلق سامر الهاتف وهو يكاد ينفجر. كان يعرف تمامًا أنه بريء. لكنه أيضًا يعرف أن لا أحد يهتم. بالنسبة لهم، هو مجرد سائق آخر يمكن استبداله بسهولة. جلس على دراجته أمام مطعم مزدحم، يراقب الناس يدخلون ويخرجون بينما الغضب يغلي داخله.

وفجأة سمع صوتًا مألوفًا خلفه. سامر؟ التفت. كان حسام… صديق قديم من أيام الجامعة. أنحف قليلًا، لكن ابتسامته الساخرة لم تتغير. نظر إلى الحقيبة الحمراء ثم قال ضاحكًا: لم أتخيل أبدًا أنك ستنتهي هكذا.

ابتسم سامر ببرود. الحياة تتغير. اقترب حسام أكثر. كنت أظنك ستصبح مدير شركة أو شيء مهم… لا عامل توصيل. كانت الجملة بسيطة، لكنها أصابت مكانًا حساسًا داخله. شعر سامر للحظة برغبة في لكمه. لكنه اكتفى بالقول: على الأقل أعمل بشرف.

ضحك حسام بخفة وربت على كتفه قبل أن يغادر. بقي سامر مكانه، يراقب الشارع بصمت. ثم أدرك شيئًا مريرًا. بعض الناس لا يحتاجون إلى إهانتك مباشرة… يكفي أنهم ينظرون إليك كأنك خسرت قيمتك. في تلك الفترة، أصبح أبو فؤاد الشخص الوحيد الذي يشعر معه سامر بشيء من الراحة.

كان المطعم الصغير أشبه بمحطة هدوء وسط الفوضى. رائحة الخبز الساخن، صوت المقالي، والأغاني القديمة التي يعمل بها الراديو دائمًا… كل شيء هناك يمنحه إحساسًا غريبًا بالأمان. في إحدى الليالي، لاحظ أبو فؤاد الشرود على وجهه.

قال وهو يسكب الشاي: ما الذي يأكلك من الداخل؟ تنهد سامر. أشعر أنني أركض طوال الوقت… ومع ذلك لا أصل إلى أي مكان. جلس الرجل مقابله ومسح يديه بالمئزر. أتعرف لماذا الطرق طويلة؟ نظر إليه سامر بصمت. ابتسم أبو فؤاد.
حتى يتغير الناس أثناء السير.

بقيت الكلمات تدور في رأسه طويلًا. في وقت متأخر من ليلة أخرى، ظهر طلب غريب على التطبيق. حي خطير في أطراف المدينة. معظم السائقين يرفضون الذهاب إليه ليلًا. تردد سامر للحظة، لكنه قبل الطلب. كان يحتاج المال.

كلما اقترب من الحي، أصبحت الشوارع أضيق وأكثر ظلمة. الإضاءة ضعيفة، والجدران مليئة بالكتابات القديمة، والهدوء مخيف بشكل غير طبيعي. وصل أخيرًا إلى المبنى المطلوب. صعد الدرج المتآكل ببطء. وقبل أن يطرق الباب… سمع صوت ارتطام قوي.

ثم صراخ طفل. تجمّد مكانه. تبعه صوت رجل غاضب يصرخ بعنف، ثم بكاء حاد. شعر سامر بتوتر يجتاح جسده. كان بإمكانه المغادرة. تسليم الطلب والرحيل. هذا ليس شأنه. لكنه لم يتحرك. ثم جاء صوت الزجاج المتكسر. وعندها، اتخذ قراره.

طرق الباب بقوة. توقف الصراخ فجأة. بعد لحظات، فتح رجل ضخم الباب بعينين غاضبتين. ماذا تريد؟ رفع سامر كيس الطعام محاولًا التماسك. الطلب. بينما الرجل يمد يده، لمح سامر طفلًا صغيرًا في الداخل، جالسًا على الأرض والدم يسيل قرب حاجبه.

تسارعت أنفاسه. قال بسرعة: الطفل مصاب. اشتعل غضب الرجل. لا شأن لك! وحاول إغلاق الباب. لكن سامر أمسكه بقوة دون تفكير. في اللحظة التالية، تحول الموقف إلى فوضى. صراخ. دفع. الطفل يبكي. ثم أصوات الجيران بدأت تقترب.

أحدهم اتصل بالشرطة والإسعاف. بعد دقائق طويلة بدت كأنها ساعة، كان سامر يجلس على الدرج يلهث بينما المسعفون يعالجون الطفل. اقترب منه الطفل بخوف وهمس: شكرًا. نظر إليه سامر مطولًا. شعر بشيء يهتز داخله بعنف.

لأول مرة منذ زمن طويل… شعر أن وجوده أحدث فرقًا حقيقيًا. وعندما خرج إلى الشارع تلك الليلة، كانت المدينة لا تزال قاسية كما هي. لكن سامر نفسه… لم يعد كما كان.


الفصل الرابع من حكاية سائق توصيل الأشياء التي لا يراها الناس

بدأ سامر يلاحظ تفاصيل لم يكن يراها من قبل. في الماضي، كان ينظر إلى الناس بسرعة ويمنحهم أحكامًا جاهزة. هذا ناجح، هذا فاشل، هذا سعيد، هذا متكبر. لكن الشهور الأخيرة كسرت تلك النظرة البسيطة داخله.

صار يعرف أن الوجوه تكذب أحيانًا. والابتسامات أيضًا. في إحدى الأمسيات، تلقى طلبًا من امرأة تُدعى نادين. العنوان في عمارة متوسطة داخل حي هادئ، والطلب كان مليئًا بالحلوى والمشروبات وكأن هناك حفلة صغيرة.

عندما فتح الباب، فوجئ بامرأة في منتصف الثلاثينات تضحك بصوت مرتفع وهي تتحدث عبر الهاتف. قالت بحماس: أخيرًا وصل الطعام! أنت أنقذت السهرة! كانت ترتدي ملابس ملونة وتتصرف بخفة مبالغ فيها.

حتى إنها أعطته بقشيشًا جيدًا وهي تمازحه: أخبر المطعم أن البطاطس لو كانت باردة سأرفع قضية. ابتسم سامر رغم تعبه. لكن بينما كانت تدفع الحساب، لمح شيئًا خلفها. المنزل كان فارغًا تمامًا. لا ضيوف. ولا أي صوت آخر.

مجرد صمت ثقيل. انتبهت نادين لنظرته فتوقفت ابتسامتها للحظة قصيرة جدًا… ثم عادت بسرعة.ليلة أفلام طويلة… لهذا طلبت كل هذا. أومأ سامر وغادر. لكن الطلبات منها بدأت تتكرر. كل مرة بنفس الأسلوب المرح، والنكات السريعة، والضحك العالي الذي يبدو حقيقيًا أكثر من اللازم.

حتى جاءت ليلة انقطع فيها التيار الكهربائي عن الحي. كان المطر يهطل بغزارة، والمصعد متوقفًا، فصعد سامر الدرج حتى الطابق السادس وهو يلهث. عندما فتحت له الباب، كانت نادين مختلفة. لا مكياج. لا ضحك. عينان حمراوان من البكاء.

تجمّدت للحظة عندما رأته، ثم قالت بصوت منخفض: آسفة… ظننتك شخصًا آخر. ناولها الطلب بصمت. لكن قبل أن يغادر، انطفأت شمعة صغيرة داخل الشقة، وغرقت الغرفة في الظلام. سمع صوت ارتطام خفيف، كأنها تعثرت.

سأل بسرعة: هل أنت بخير؟ لم تجب مباشرة. ثم قال صوتها من الداخل، ضعيفًا هذه المرة: هل يمكنك… فقط إشعال الشمعة؟ دخل بحذر. أضاء الشمعة مجددًا، فتراقص الضوء على الجدران الكئيبة. لاحظ صورًا ممزقة فوق الطاولة وإطارًا فارغًا على الأرض.

جلست نادين على الأريكة بصمت طويل قبل أن تقول: الغريب أن الناس يظنون المرأة المضحكة سعيدة دائمًا. لم يعرف ماذا يرد. أكملت وهي تحدق في النار الصغيرة: بعد طلاقي… الجميع اختفى. أصدقائي، أقاربي، حتى بعض الناس الذين كانوا يقولون إنهم يحبونني.

الضحك أسهل من شرح كل هذا. نظر إليها سامر بصمت ثقيل. ثم أدرك كم مرة صدّق ابتسامتها دون أن يرى ما خلفها. بعد أيام قليلة، جاءه طلب مختلف. من شاب مشهور على الإنترنت يُدعى ريان. حتى سامر كان يعرفه؛ مقاطع مضحكة، ملايين المتابعين، وسيارات فاخرة تظهر في كل فيديو.

عندما وصل إلى العنوان، توقع حفلة أو مجموعة أصدقاء. لكن الشقة كانت هادئة بشكل غريب. فتح الباب شاب بملابس فاخرة، لكن ملامحه مرهقة وعيناه غارقتان في السواد. لم يكن يشبه الشخص الذي يظهر على الشاشة.

قال ببرود: ضع الطلب هناك. دخل سامر خطوات قليلة، ولاحظ أن الستائر مغلقة بالكامل رغم أن الوقت ما زال مبكرًا. على الطاولة كانت هناك عدة علب دواء مفتوحة. وفجأة، رن هاتف ريان بإشعارات متتالية.

ضحك الشاب بسخرية مريرة. انظر إليهم… يظنون أنني أعيش أفضل حياة ممكنة. لم يرد سامر. جلس ريان على الأريكة وأخذ يمرر بين التعليقات بسرعة. كل يوم يجب أن أكون مضحكًا… حتى عندما لا أستطيع النهوض من السرير.

رفع عينيه نحو سامر لأول مرة. هل تعرف أسوأ شيء في الشهرة؟ هز سامر رأسه. ابتسم ريان ابتسامة فارغة. أن الجميع يحب صورتك… لكن لا أحد يسأل إن كنت بخير فعلًا. خرج سامر من الشقة وهو يشعر بثقل غريب.

المدينة مليئة بأشخاص يصرخون بصمت. ومع الوقت، بدأت هناك شخصية تتكرر في حياته أكثر من غيرها. ليان. أول مرة أوصل لها طلبًا كانت في مساء هادئ. طلب بسيط من مطعم صحي، وشقة صغيرة في حي متواضع.

فتحت الباب فتاة في أواخر العشرينات، هادئة الملامح، ترتدي نظارة طبية وتحمل كتبًا بين ذراعيها. خلفها كان هناك طفل صغير يرسم على الأرض. قالت بابتسامة بسيطة: شكرًا… تأخرت المدارس اليوم وأرهقني العمل.

كان صوتها طبيعيًا جدًا… بلا تصنع. شيء نادر بالنسبة لسامر مؤخرًا. تكررت الطلبات منها مع الأيام. أحيانًا يراها متعبة بعد العمل، وأحيانًا يسمعها تساعد الطفل في واجباته المدرسية بينما تستلم الطلب. علم لاحقًا أنها تعمل معلمة وتعيل أخاها الصغير وحدها بعد وفاة والديهما.

الغريب أنه كان يشعر براحة غير مفهومة أثناء الحديث معها. لم تكن تنظر إليه كأنه مجرد عامل توصيل. كانت تسأله:
هل يومك متعب؟ هل تناولت العشاء؟ كيف حال والدك؟ أسئلة بسيطة… لكنها صادقة. وفي إحدى الليالي، بينما كان يسلمها الطلب، قالت فجأة: أنت تستمع للناس جيدًا.

تفاجأ. أنا؟ ابتسمت. الناس لا يتحدثون كثيرًا مع من لا يشعرون بالأمان معه. بقي صامتًا للحظة. ثم أدرك أن شيئًا داخله تغيّر فعلًا. في الماضي، لم يكن يصبر حتى على مشاكل نفسه… فكيف بمشاكل الغرباء؟ لكن رغم هذا التغيير، لم تكن حياته أسهل.

بدأ يشعر أنه يحمل أثقال الجميع فوق كتفيه. كل قصة يسمعها تبقى داخله. كل وجه حزين يطارده حتى أثناء النوم. حتى علاقته بوالده أصبحت متوترة أحيانًا بسبب غيابه الطويل وانشغاله الدائم. وفي إحدى الليالي، عاد إلى المنزل منهكًا بعد يوم طويل.

وجد والده جالسًا قرب النافذة يراقب الشارع. جلس سامر بصمت. ثم سأله والده فجأة: هل ما زلت تكره عملك؟ تردد طويلًا. في الماضي، كانت الإجابة سهلة. الآن لم تعد كذلك. مرر يده فوق وجهه المتعب وقال ببطء: لا أعرف…

نظر إليه والده بهدوء. أكمل سامر: أحيانًا أشعر أنني أرى الحياة لأول مرة. ابتسم الرجل العجوز ابتسامة خفيفة. إذن ربما لم تخسر طريقك… ربما وجدته فقط بطريقة مختلفة. رفع سامر عينيه نحو النافذة.

في الخارج، كانت أضواء السيارات تتحرك بلا توقف، كأن المدينة نفسها لا تنام أبدًا. ولأول مرة منذ سقوطه… لم يعد يشعر أنه يهرب من حياته. بل يسير نحو شيء لا يفهمه بالكامل بعد… لكنه حقيقي. نهاية الجزء الثاني يتبع... اقرأ الجزء الثالث والأخير.

المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق