نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الثاني والأخير

نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الثاني والأخير
نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الثاني والأخير

نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الثاني والأخير


في الجزء الأول من هذه المقالة تحدثنا عن بداية القصة والأحداث التي أدت إلى... وبعد أن توسعت أعماله، قرر سليمان الراجحي إنهاء الشراكة مع أخيه صالح وبدء عمله الخاص. ومن أكثر ما يلفت النظر في سيرته هو شغفه الكبير بعمله؛ فلم يكن يعمل ليعيش فقط، بل كان يعيش من أجل العمل. دعوني أضرب لكم مثالًا على ما أقصده. قبل سنوات، كان سليمان الراجحي في لقاء مع الاقتصادي راشد الفوزان،

تحدث فيه عن واحدة من أغرب رحلات العمل التي سمعت بها في حياتي. رحلة عمل لا تشبه غيرها. يقول الراجحي إنه كان يسافر إلى بيروت في السبعينيات، لا ليبقى يومًا أو يومين أو ثلاثة، بل كان يخرج من الرياض في السابعة صباحًا، يستقل الطائرة إلى بيروت، ينهي عمله، ثم يعود في اليوم نفسه. كان يعود عصرًا إلى الرياض، يذهب إلى بيروت وكأنه في مشوار قصير. والأغرب من ذلك أنه كان يسافر بأقل التكاليف، فيأخذ أرخص تذكرة، وغالبًا ما تكون مخفضة.

وعند وصوله إلى بيروت، لا يستقل سيارة أجرة، بل يستخدم “السرفيس”، وهو النقل العام في بيروت. كان يأخذ السرفيس من المطار إلى ساحة البرج بنصف ليرة فقط. وأذكّركم أن الراجحي في ذلك الوقت كان مليونيرًا، ويملك أكثر من مئة فرع للصرافة في السعودية. كان بإمكانه السفر بدرجة أولى، أو استئجار سائق خاص، أو حتى إرسال أحد موظفيه بدلًا عنه، خاصة أنه لم يكن شابًا صغيرًا، بل كان في حدود الخمسين من عمره. ومع ذلك، كان يذهب بنفسه،

 ويحمل حقيبة فيها أكثر من مليونين ريال، ويمر بكل هذه المراحل وحده. وحين سُئل: ماذا تأكل في بيروت؟ وما هو مطعمك المفضل؟ أجاب بأنه لا يفطر في البيت، ولا يعتمد على فطور الطائرة، ولا يذهب إلى مطاعم معروفة أو مشهورة. وحين سُئل: أين تسكن؟ أجاب بأنه لا يسكن في فندق ولا في مكان مخصص للراحة، بل يدخل السوق، ويجلس ساعة عند الصرافين، وساعة عند الشكرجي، وساعة عند أبي سركيس، وساعة عند الحلبي، يبيع ويشتري معهم،

وإذا جاء وقت الصلاة أو الاستراحة شرب شايًا مجانيًا ومضى. وهذه أسماء أشخاص كان يعمل معهم في السوق، ولا يزال يتذكر أسماءهم حتى وقت اللقاء. حدث له ذات مرة، عندما أنهى رحلته في بيروت واستقل سيارة أجرة متجهًا إلى المطار للعودة إلى الرياض. لاحظ أن سلوك السائق غريب، وشعر أن السائق شكّ في أن الحقيبة التي معه تحتوي على شيء ثمين. التفت سليمان الراجحي إلى الخلف، فلاحظ سيارة أخرى تتبعهم، فأيقن أن هناك أمرًا غير طبيعي يحدث.

يقول الراجحي: عندما ركبت سيارة الأجرة، قلت للسائق: ما اسمك؟ قال: محمد. قلت: يا محمد، أنت من لبنان؟ قال: نعم. قلت: ما أحسن حظكم أنتم أهل لبنان، هذا الجو الجميل وهذه الأرض الطيبة. ثم قلت له: أنا رجل فقير، وقد نفدت أموالي. كنت أسكن في فندق النخيل، وهو فندق رخيص في ساحة البرج، وسكنت فيه بربع ليرة في الليلة، والآن لم يبق معي إلا خمس ليرات أو سبع ليرات بالكاد تكفيني للوصول إلى المطار، وإذا تأخرت الطائرة لا أدري ماذا أفعل.

يقول: بهذه الطريقة صرفت نظره تمامًا. فلما وصلنا إلى المطار، قلت له: ما شاء الله عليك يا محمد، رجل طيب، وأحب أن أعرف اسمك حتى إذا احتجتك مرة أخرى أطلبك بالاسم. بهذه الكلمات أغلقت عليه أي تفكير آخر. وأضاف أنه ذكر له اسم فندق النخيل ليؤكد له أنه فقير ويعرف أماكن الفقراء، وأنه من المستحيل أن يخاطر سائق سيارة أجرة بسرقة شخص يعرف هذه التفاصيل، فيظن أن الحقيبة لا تحتوي إلا على أوراق لا قيمة لها.

هل تستوعبون مقدار الذكاء، وحسن التصرف، وسرعة البديهة؟ ولهذا لم يكن المذيع بحاجة لأن يسأله: لماذا لا تستأجر سائقًا خاصًا في بيروت؟ فقد كان الراجحي بنفسه يوضح كيف يدبر أموره بأقل التكاليف، وكيف كان يأخذ التذاكر المخفضة، ويستخدم السرفيس بدلًا من التاكسي، ولم يكن السكن أصلًا خيارًا عنده، لأنه يراه تكلفة زائدة، فكان ينجز أعماله بأقل وقت وأقل تكلفة ممكنة.

قد يفسر البعض هذا السلوك على أنه بخل زائد، لكن أعيد تذكيركم بطفولة سليمان الراجحي وإخوته، حين كانوا يجمعون الأخشاب وروث المواشي لتوفير ريال واحد يؤويهم. وأذكركم بسليمان الراجحي الذي لم يكن يملك سوى ثوب واحد وغترة واحدة طوال العام، وحين تلطخت بالدم كانت كارثة بالنسبة له. في رأيي، الإنسان الذي يغتني بعد هذه الطفولة القاسية أمامه طريقان لا ثالث لهما: إما أن يصبح مبذرًا مسرفًا، أو أن يكون مثل الشيخ سليمان الراجحي،

ثابتًا على أرضه، متمسكًا بطريقته القديمة في الحياة، يصرف بلا تبذير، ولا يزيده النجاح وكثرة المال إلا شغفًا لأن يكون أفضل. وقصة بيروت ليست المثال الوحيد على تفرّد هذا الرجل. نعود إلى عام 1977، حين جاء أخوه الأكبر صالح وكلم سليمان، وطلب منه أن يعيدا الشراكة ويدمجا أعمالهما مرة أخرى. كان سليمان مترددًا، خوفًا من مشاكل الورثة مستقبلًا، لكنه بعد تفكير وافق، بشرط أن يشركا معهما أخويهما عبد الله ومحمد. وبالفعل تمت الشراكة،

وكان لسليمان الحصة الأكبر، ونتج عنها بنك الراجحي، أحد أكبر بنوك السعودية اليوم. وفي العام نفسه، افتتح سليمان الراجحي ثاني أكبر نجاحاته. قصة هذه الشركة تكشف معدن هذا الإنسان مرة أخرى. فقد كان في أحد مصانع الدواجن في أوروبا التي تذبح بالطريقة الإسلامية وترسل إنتاجها إلى بلاد المسلمين. يقول سليمان الراجحي إنه لاحظ دجاجتين شكلهما غير طبيعي، فرفعهما واكتشف أنهما ميتتان. وكانت مصيبة، لأن الدجاج الميت لا يجوز أكله.

تحدث مع المسؤولين عن المصنع، لكنهم لم يهتموا. فقرر من تلك اللحظة أن يؤسس شركة دواجن في السعودية تورد للمسلمين. وبالفعل أسس شركة دواجن الوطنية، وكانت بدايتها صعبة جدًا، وخسر فيها قرابة مليار ريال، لكنه استمر حتى أصبحت اليوم من أكبر الشركات في العالم العربي وأكبر شركة دواجن في السعودية. ومن أعظم مواقفه أيضًا، والتي تدل على أنه لا يفكر في نفسه فقط، أنه قبل سنوات قرر أن يفكر في مستقبل عائلته بعد وفاته.

يقول إنه أمضى أربع سنوات يفكر ويخطط، خوفًا من أن يختلف أبناؤه على الميراث، حتى قرر توزيع ثروته عليهم وهو على قيد الحياة، وقد فعل ذلك بالفعل. في اللقاء الذي أجراه قبل عشر سنوات مع راشد الفوزان، كان عمره نحو أربع وثمانين سنة، ومع ذلك كان يتذكر الأسماء، والأسعار، ويذكر تفاصيل مثل: التاكسي بنصف ليرة، والسرفيس بليرة. ولهذا أحكي لكم قصته اليوم، لأنها موثقة بلقاءات، وكتب، وأشرطة قديمة تحكي سيرته. لقراءة الجزء السابق إضغط هنا.


💡 المستفادة من قصة نجاح سليمان الراجحي

  • الفقر ليس عائقًا دائمًا، بل قد يكون دافعًا عظيمًا للنجاح.
  • برّ الوالدين سبب للبركة في الرزق.
  • الذكاء وحسن التصرف قد ينقذان الإنسان في المواقف الصعبة.
  • الانضباط المالي لا يعني البخل، بل يعني الحكمة.
  • الشغف بالعمل يصنع فارقًا بين من يعمل ليعيش ومن يعيش ليعمل.
  • التخطيط المبكر لتوزيع الثروة يمنع الخلافات المستقبلية.

✨ خاتمة:
قصة سليمان الراجحي ليست مجرد قصة ثراء، بل قصة صبر، وكفاح، وانضباط، وذكاء. هي تذكير بأن البدايات المتواضعة لا تحدد النهاية، وأن من يثبت على مبادئه في الفقر، ينجح في الغنى دون أن يتغير جوهره.
المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق