نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الأول

نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء
نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء

نجاح سليمان الراجحي من الفقر إلى الثراء الجزء الأول


وصف قصير
قصة ملهمة تحكي رحلة سليمان الراجحي من الفقر الشديد في البكيرية إلى تأسيس أحد أكبر الكيانات المالية في السعودية. رحلة مليئة بالكفاح، والذكاء، والانضباط، والشغف بالعمل.


في عام 1926، في محافظة البكيرية، كان يعيش عبد العزيز الراجحي مع عائلته. كان عبد العزيز رجلًا فقيرًا جدًا، بل شديد الفقر. كان لديه أربعة أبناء: صالح، وعبد الله، وسليمان، ومحمد. وكان محمد هو الأصغر من سليمان، وهو والد يزيد الراجحي المعروف اليوم. وكان لهؤلاء الإخوة إخوة آخرون، لكنهم يُعدّون الآباء المؤسسين لأسطورة الراجحي.

ومع تزايد صعوبة الحياة، قرر الوالد عبد العزيز الراجحي أن يأخذ عائلته ويتجه إلى الرياض، لعلّه يجد هناك رزقه ويخرج من دائرة الفقر. وبالطبع، لم تكن الرحلة إلى الرياض سهلة أبدًا، بل كانت شاقة إلى أبعد حد. يقول سليمان الراجحي، الذي كان عمره آنذاك ثماني سنوات: ركبنا الإبل من البكيرية حتى وصلنا إلى بريدة، وهناك نمنا يومين. قد يظن البعض أنهم ناموا في فندق أو عند أحد المعارف، لكن الحقيقة أنهم ناموا في مزرعة،

وبقوا يومين في الخلاء ينتظرون حتى تأتي سيارة تقلّهم إلى الرياض. ولم تكن تلك السيارة مخصصة لنقل الناس، بل كانت مخصصة لنقل الخشب، حيث يوضع الخشب ويُجلس الناس فوقه، وتنقلهم من بريدة في القصيم إلى الرياض. وصلت عائلة عبد العزيز الراجحي إلى الرياض، واستأجروا بيتًا بريال واحد فقط. وكان الريال في ذلك الوقت ذا قيمة كبيرة؛ فحتى القرش الواحد كان له وزن. يقول سليمان الراجحي إنهم كانوا يشترون لحم الرأس والكرش،

وكانوا يحصلون على كيلوغرامين من الدقيق بقرش واحد فقط. فكيف بالريال الذي كان يساوي عشرين قرشًا؟ وفي أحد الأيام، عجز الوالد عبد العزيز الراجحي عن دفع إيجار البيت، وهو ريال واحد. فيقول سليمان الراجحي إنه اضطر هو وإخوته، الذين كانت أعمارهم بين ثماني سنوات وخمس عشرة سنة، إلى الخروج من البيت والعمل في جمع الخشب وروث المواشي من الشوارع، حتى يتمكنوا من دفع الإيجار.

وكان روث المواشي يُجمع في ذلك الزمن، ثم يُجفف ويُستخدم لإشعال النار بدل الحطب، بسبب شدة الفقر. وهكذا استمرت الحياة في الرياض كفاحًا متواصلًا. كان الأب يعمل في بيع البشوت والملابس المستعملة على بسطة، وكان الأبناء يدرسون في الصباح ويعملون في المساء. درس سليمان الراجحي سنتين، ثم قرر بعدها أن يترك الدراسة ويتفرغ للعمل، وكان عمره آنذاك بين الثامنة والعاشرة. وفعلاً، ترك الدراسة وبدأ يعمل في كل شيء وأي شيء:

بائع مواد غذائية، نجارًا، حمّالًا، وأي عمل متاح، ولم يكن يرفض أي فرصة. وكانت أطول مهنة استمر فيها هي عمله حمّالًا. في إحدى المرات، وكان سليمان الراجحي في الثامنة من عمره، حمل حمولةً ليوصلها إلى مكان معين. وأثناء سيره، تفاجأ بأن الزنبيل الذي يحمله على ظهره يتسرب منه الدم، فسقط الدم على ثوبه وغترته البيضاء. فقد كان يحمل كبدة، وتناثر دمها على ملابسه، وكانت تلك مصيبة كبيرة، لأن سليمان الراجحي لم يكن يملك سوى غترة واحدة وثوب واحد،

وكان يغيّرهما من عيد إلى عيد، أي من سنة إلى سنة. لم يكن يملك غير ثوب واحد وغترة مكية، بلا طاقية ولا سروال ولا قميص داخلي، وكان يستعملها حتى تتلف تمامًا، ثم يجددها في العيد التالي. يقول سليمان الراجحي وهو يروي معاناته: لكي أنظف ملابسي، ذهبت إلى إحدى المزارع، وخلعت ملابسي وغسلتها، ثم لبستها وهي مبللة وعدت للعمل. لكن قبل أن أعود، وقفت في الطريق وبدأت أركض ذهابًا وإيابًا عدة مرات، حتى تجف ملابسي.

وكان ذلك في فترة المربعانية، وهي أشد فترات الشتاء قسوة، حيث كان البرد شديدًا. وبعد أن ركض ذهابًا وإيابًا مرات عدة، جفّت ملابسه، وتمكن من العودة إلى عمله. ومن هذه القصة يمكن فهم طبيعة الحياة التي كان يعيشها هذا الإنسان في ذلك الزمن. واستمر سليمان الراجحي في العمل في هذه المهنة وغيرها، حتى جاءت لحظة التحول التي انتقل فيها من فقرٍ شديد جدًا إلى فقرٍ يمكنه من تدبير أموره. ففي الأربعينيات، عمل سليمان الراجحي في مشروع بناء بعض القصور لآل سعود في الرياض،

وكان هذا المشروع تحت إدارة بن لادن. عمل سليمان الراجحي في هذا المشروع طباخًا عند أحد المسؤولين عن البناء، وأحيانًا كان يعمل مشرفًا على العمال. وفي هذا العمل بدأ يحصل على دخل أفضل، ليس كبيرًا جدًا، لكنه يكفيه، حيث كان يتقاضى نصف قرش في اليوم. استمر في هذا العمل، وبعد انتهائه كان قد جمع مبلغًا يمكنه من فتح دكان. وفعلاً، فتح سليمان الراجحي دكانًا للمواد الغذائية، ورزقه الله، وسارت أموره بشكل جيد. وفي أحد الأيام، عام 1945،

جاءت والدته وقالت له: أريدك أن تتزوج الآن. فقال لها: يا أمي، صلّي على النبي، لا يزال عمري خمس عشرة سنة، الأمر مبكر. لكنها أصرت قائلة: إما أن تتزوج الآن، أو أغضب عليك. فاستجاب سليمان الراجحي لطلبها، وباع دكانه وباع بضاعته، وخرج من المشروع ومعه أربعمائة ريال، وكانت ثروة كبيرة في ذلك الوقت. وبذلك المبلغ سافر إلى القصيم وتزوج هناك، ثم عاد إلى الرياض، ولم يكن معه ريال واحد.

ولكن بسبب برّه بوالدته، رزقه الله من أخيه الأكبر صالح. وكان صالح، وهو أكبر إخوته، قد فتح الله عليه، وافتتح محلًا للصرافة في الرياض، بعد أن كان يعمل سابقًا في الصرافة في الشوارع وعلى بسطة. ولما فتح دكانه، وظّف سليمان عنده براتب ثلاثين ريالًا في الشهر. وكانت هذه قفزة كبيرة في الدخل، من إنسان كان يحصل على قرش في اليوم إلى إنسان يحصل على ريال في اليوم، أي ثلاثين ريالًا في الشهر. وكان ذلك عام 1946، حيث كانت قيمة الريال كبيرة جدًا.

بدأ سليمان يعمل مع أخيه صالح، وبقي معه سنتين في الرياض، ثم جاء الانتقال الكبير حين سافر إلى أكبر وجهة تجارية في السعودية آنذاك، وهي جدة ومكة، وكانتا تُعدّان وجهة واحدة؛ لأن الحجاج والمعتمرين لابد أن يمرون من جدة إلى مكة. سافر سليمان الراجحي إلى مكة وجدة، وبدأ يعمل لصالح أخيه صالح. وسكن عند عبد الله ومحمد السبيعي، وهما من كبار الصرافين النجديين الذين كانوا يعملون في مكة وجدة، واللذين أصبحا لاحقًا من مؤسسي بنك البلاد.

وكانت بين عائلة الراجحي وعائلة السبيعي معرفة قديمة، لذلك سكن سليمان عندهم، وبدأوا يعملون معًا، وعلّموه أصول المهنة. بدأ سليمان الراجحي العمل في الصرافة في مكة وجدة مع الحجاج والمعتمرين، وكان هو ومحمد وعبد الله السبيعي النجديين الوحيدين الذين يعملون في الصرافة في الحجاز آنذاك، إلى جانب أسماء كبيرة مثل سالم بن محفوظ، مؤسس البنك الأهلي، الذي كان يعمل في الصرافة قبل ظهور البنوك. ووفّق الله سليمان الراجحي في عمله،

وكانت هذه مرحلة التحول الكبرى، حيث خرج من هذا العمل بمئات الآلاف، بل ربما بالملايين. وفي عام 1956، شعر سليمان الراجحي أنه يجب أن يبدأ مشروعه الخاص بعد أن جمع رأس مال كبير. فاتصل بأخيه صالح وقال له: إما أن ترسل أحدًا إلى جدة ومكة ليتولى عملك بدلًا عني، أو أستمر أنا في العمل وتدخلني شريكًا. وكان سليمان الراجحي في ذلك الوقت موظفًا لدى أخيه. فوافق صالح، وأدخله شريكًا برأس مال قدره مئة ألف ريال.

وبدأ سليمان الراجحي بفتح محلات صرافة في جدة ومكة وجميع المدن السعودية باسمه: سليمان بن عبد العزيز الراجحي. ومن الأمور العجيبة التي كانت تحدث في جدة أثناء عمله، الطريقة التي كان يرسل بها الأرباح إلى أخيه صالح في الرياض. يقول سليمان الراجحي إنه عندما كان يريد تحويل الأموال، كان يذهب إلى المطار، ويختار أي شخص، ويعطيه حقيبة تحتوي على ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين ريال، ويقول له: خذ هذه الحقيبة معك، وفي الرياض ستقابل أخي وتسلمها له.

ثم يذهب إلى كابينة الهاتف ويتصل بأخيه صالح، ويصف له شكل الشخص، فيقابله صالح في مطار الرياض ويأخذ منه المال. ويقول سليمان الراجحي إن الأموال لم تضِع قط، ولم تُسرق، إلا مرة واحدة فقط، حيث لم يجد الشخص أخاه صالح في المطار، فسلم الحقيبة لموظف في المطار، وبقيت عنده شهرًا كاملًا، ثم وجد صالح بعد ذلك وسلمه المال. أن ذلك كان في الخمسينيات، حين كان المطار صغيرًا والمسافرون قليلين جدًا.... لمتابعة قراءة الجزء الثاني والأخير إضغط هنا.


المقال التالي المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق